ميرزا محمد حسن الآشتياني
63
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
الاحتياط الراجح ذاتا وإن كان الأمر المتعلق به إرشاديّا ومناط هذا الوجه وإن لم ينفكّ عن الوجه الأول حيث إنّ جميع موارد الاحتياط لا ينفكّ عن احتمال الحكم الإلزامي الواقعي في محل البحث إلّا أنّ الحيثيّة مختلفة بل التحقيق أنّ الوجهين مختلفان من حيث الذات من غير أن يجتمعا مصداقا أصلا وإن كان في مورد وجود الاحتياط احتمال الأمر موجودا دائما فليس الاختلاف بينهما بمجرّد الحيثيّة فتدبّر ( ثمّ ) إن كلامه قدس سره في بيان وجه الجريان من حيث الاستناد إلى الوجه الأول أو الثاني أو هما معا لا يخلو عن تشويش وقد يستفاد منه اتحادهما وإن كان الظاهر منه بعد التأمّل الاستناد إلى الوجه الثاني وعليك بالتأمل في أطرافه ( ثمّ ) لا يخفى عليك أن ما حكاه عن الشهيد قدس سره في الذكرى من الاستدلال لحكم المقام أعني مشروعيّة إتيان ما يحتمل الوجوب العبادي سواء كان من جهة اشتباه الحكم أو الموضوع وإن كان البحث المحرّر في الكتاب في الأول بالآيات المذكورة مبنيّ على إرادة معنى الاحتياط من التقوى ولو بقرينة قوله تعالى حقّ تقاته وقوله ما استطعتم بحيث يشمل الشبهة الوجوبيّة وأمّا لو أريد منها ما يساوق الاحتياط في خصوص الشبهة التحريميّة وما يساوق الاجتناب عن المحرّمات فلا تعلّق للآيات بالمقام كما هو ظاهر [ في أن ما ذكر مستلزم للدّور مع جوابه النقضي والحلي ] ( قوله ) قدس سره والتحقيق أنه إن قلنا إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) حاصل ما أفاده قدس سره من الاعتراض على الاستدلال بالآيات في المقام الظاهر في الالتزام بتوقّف العبادة على العلم بالأمر تفصيلا أو إجمالا سواء كان واقعيّا أو ظاهريّا حيث إنّه على تقدير القول بكفاية مجرّد احتمال الأمر في مشروعيّة العبادة لا يكون ثمّة حاجة أصلا إلى التمسّك بتلك الآيات كما هو ظاهر أنّ الاستدلال بظاهر أوامر التقوى كأوامر الاحتياط لإثبات المشروعيّة يكون دوريّا حيث إن تحقّق موضوع التقوى كموضوع الاحتياط على القول بتوقّف مشروعيّة العبادة على العلم بالأمر يتوقّف على الإتيان بمحتمل العبادة بجميع ما له دخل فيه شطرا أو شرطا حتى قصد القربة المتوقف على العلم بالأمر كما هو المفروض وليس هناك أمر محقق بالفرض إلا الأمر بالتقوى المتوقف على التقوى المتوقفة على الأمر حيث إن الأمر في مرتبة المحمول للمأمور به فيلزم توقّف الأمر بالتقوى عليها وتوقّفها عليه وهذا دور ظاهر فإن شئت قلت إن مدلول الهيئة من عوارض مدلول المادّة الذي هو فعل المكلّف يتوقف عليه لا محالة فلو فرض توقفه على مدلول الهيئة يلزمه الدور الباطل ولا يلزم هذا على القول بكفاية مجرّد الاحتمال ضرورة وجود احتمال الأمر الواقعي مع قطع النظر عن مطلوبيّة الاحتياط هذا وحاصل ما أفاده في الجواب عن الاعتراض يرجع إلى وجهين أحدهما النقض بالعبادات المحقّقة التي يعلم تعلّق الأمر بها في الشريعة حيث إن المفروض ثبوت مشروعيتها بتلك الأوامر المتوقفة على قدرة المكلّف على الإتيان بها بجميع ما له دخل فيها شرطا أو شطرا التي منها قصد التقرب المتوقّف على العلم بالأمر والمفروض أنه لا أمر هناك إلا تلك الأوامر فيتوقف العبادة التي هي مدلول المادّة على الأمر الذي هو مدلول الهيئة العارضة على المادّة فيلزم الدور ثانيهما الحلّ وبيانه أن المراد من المأمور به الذي هو معروض الهيئة هو الفعل الجامع لجميع ما يعتبر فيه بأحد الوجهين عدا نيّة التقرب فلم يؤخذ قصد التقرّب المتوقّف على العلم بالأمر في المأمور به حتى يلزم الدور فإن قصد القربة ليس في عداد سائر الشرائط المأخوذة في المأمور به وفي عرضها ومرتبتها وإنما هي مأخوذة في الإطاعة المتأخرة عن الأمر فكيف يعتبر في المأمور به المقدّم على الأمر فيقال إنّ المراد من الصّلاة مثلا المتعلّقة بها الأمر هو الفعل الجامع لجميع الأجزاء والشرائط من غير أن يلاحظ فيها قصد التقرب وبعد قيام الدليل على كونها عبادة يحكم بوجوب إيجادها بعنوان العبادة وامتثال أمر الشارع المتوقف على الأمر المفروض تعلّقه بها مجرّدة عن قصد التقرّب وكذلك يقال في التقوى والاحتياط وإن المراد من عنوانهما المنطبق على العبادة المحتملة هو الفعل القابل للوجوب بجميع ما له دخل فيه عدا نيّة التقرّب فالفعل يتعلّق به الأمر الندبي مجرّدا عن قصد الامتثال فإذا فرض كون المحتمل عبارة على تقدير وجوبه يؤتى به بداعي امتثال أوامر التقوى والاحتياط والذي يشهد لما ذكر من تجريد الفعل عن قصد الأمر استقرار سيرة المجتهدين على الفتوى باستحباب الفعل المذكور وإن لم يعلم المقلّد بكونه محتمل الوجوب فضلا عن أن يوجبون عليه الإتيان به لداعي امتثال الأمر المحتمل ولو أريد بالاحتياط معناه الظاهر لم يجز للمفتي أن يفتي باستحبابه على الوجه المزبور هذا حاصل ما أفاده في دفع الإشكال والاعتراض على استدلال الشهيد قدس سره وهو كما ترى مبنيّ على الإغماض عمّا أفاده قدس سره من كون الأمر بالاحتياط إرشاديّا محضا لا يوجب إطاعته تقرّبا والبناء على كونه أمرا شرعيّا مولويّا وإلا لم يكن الجواب المذكور مفيدا بالنسبة إلى أوامر الاحتياط أصلا كما لا يخفى بل الأمر بالنسبة إلى أوامر التقوى ونحوها كذلك فإن حالها حال أوامر الاحتياط من حيث كونها إرشاديّا محضة على ما هو الظاهر منها هذا وقد يناقش فيما أفاده من الجواب الحلّي مضافا إلى منافاته لما عليه ظاهر الفقهاء رضوان الله عليهم واستظهره منهم من اعتبار النيّة في العبادات شرطا أو شطرا بأنه إذا فرض عدم دخل النيّة في العبادة بأحد الوجهين من حيث استحالة أخذها فيها كما وكيفا فما الفارق بينها وبين الواجب التوصّلي مع أن كلماتهم تنادي بأعلى صوتها بانحصار الفارق بينهما بتوقف الصحة في العبادات على قصد التقرب وعدم توقفها عليه في الواجبات التوصّلية فإن جعلت الفارق بينهما كون الإطاعة المتوقّفة على قصد الامتثال والمتقوّمة به مطلقا معتبرة في العبادات دون غيرها من التوصّليّات عاد الإشكال المذكور فإن اعتبار الإطاعة في العبادة مع استحالته لا بد أن يكون بأحد الوجهين فإن جعلت الفارق كون سقوط